محمد سعيد رمضان البوطي
233
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
يصبر عمر حتى أتى أبا بكر رضي اللّه عنه فسأله مثل ما سأل النّبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال له يا ابن الخطاب ، إنه رسول اللّه ولن يعصي ربّه ولن يضيّعه اللّه أبدا . فما هو إلا أن نزلت سورة الفتح على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياها . فقال : يا رسول اللّه ، أو فتح هو ؟ ! . . قال : نعم ، فطابت نفسه » « 6 » . ثم إن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم أقبل على أصحابه فقال لهم : « قوموا فانحروا ثم احلقوا - وكرر ذلك ثلاثا - فوجم جميعهم وما قام منهم أحد ، فدخل على زوجته أم سلمة ، وذكر لها ما لقي من الناس ، فقالت له : يا رسول اللّه أتحب ذلك ؟ اخرج لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك . فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك : نحر بدنه ، ودعا حالقه فحلقه ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا ، حتى كاد بعضهم يقتل الآخر لفرط الغم . ثم جاء نسوة مؤمنات ( بعد انصرافه إلى المدينة ) مهاجرات بدينهن ، بينهن أم كلثوم بنت عقبة ، فأنزل اللّه تعالى قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ ، فَامْتَحِنُوهُنَّ ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ ، وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [ الممتحنة 60 / 12 ] . فأبى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يردهنّ بدينهن إلى الكفار » « 7 » . بيعة الرضوان وكان قد أرسل النّبي صلّى اللّه عليه وسلم عثمان بن عفان رضي اللّه عنه إلى قريش قبل كتابة الصلح ليكلمهم في الأمر ، فاحتبسته قريش عندها مدة ، وبلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذ ذاك أن عثمان بن عفان قد قتل ، فقال لا نبرح حتى نناجز القوم ، فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى البيعة ، فكانت بيعة الرضوان تحت شجرة هنا لك . فكان صلّى اللّه عليه وسلم يأخذ بيد أصحابه الواحد منهم تلو الآخر يبايعونه على أن لا يفرّوا . وأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بيد نفسه ، وقال : « هذه عن عثمان » . ولما تّمت البيعة ، انتهى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن الذي بلغه من مقتل عثمان باطل . العبر والعظات : كلمة وجيزة عن حكمة هذا الصلح : قبل أن نخوض في تفصيل ما ينبغي أن نقف عليه من دروس صلح الحديبية وعظاتها وأحكامها ، نقول في كلمة وجيزة : إن أمر هذا الصلح كان مظهرا لتدبير إلهي محض تجلى فيه عمل النبوة وأثرها كما لم يتجلّ في أي عمل أو تدبير آخر . فقد كان نجاحه سرّا مرتبطا بمكنون الغيب
--> ( 6 ) متفق عليه . ( 7 ) صحيح البخاري .